جمال الدين بن نباتة المصري

340

سرح العيون في شرح رسالة ابن زيدون

97 - وهممت ولم أفعل ، وكدت وليتني . يعنى هممت بقتل هذه المرأة ؛ وهذا من باب الحذف والإيجاز ، لدلالة بعض الكلام على بقيته المحذوفة ، كقوله تعالى : وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ ، أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى ، بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعاً « 1 » ، تقديره لكان هذا القرآن ؛ وهو كثير في كلام العرب ؛ وقد استعملوه حتّى في الحروف ، وقالوا : درس المنا يلهجون به ، بمعنى « المنازل » ، وقالوا : ورق الحما ، بمعنى الحمام . وهذا لفظ شعر لضابئ بن الحارث بن أرطأة البرجمىّ ، كان رجلا بذيّا كثير الشرور ؛ وكان صاحب صيد ، أوطأ دابّته صبيّا فقتله ، فرفع إلى عثمان رضى اللّه تعالى عنه أيّام خلافته ، فاعتذر بضعف بصره فحبسه ثم خلص ، وكان قد استعار كلبا للصيد من بنى نهشل ، فلم يردّه ، فطلبوه منه ، وألحّوا عليه ، فقال يهجوهم ويتّهم أمّهم بالكلب : فأمّكم لا تتركوها وكلبكم * فإنّ عقوق الأمّهات كبير « 2 » إذا اكتنفت من آخر الليل شخصه * يظلّ له فوق الفراش هرير فاستعدوا عليه عثمان ، فقال : ويلك ! ما سمعت أحدا يرمى امرأة بكلب غيرك ! واللّه إني أراك لو كنت على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم لأنزل اللّه فيك قرانا ، ثم حبسه . وعرض يوما أهل السجن فوجده قد أعدّ حديدة ليقتل بها عثمان ، فأخذت منه وضرب ، وترك مهملا في السجن ، فقال : لا يعطين بعدى امرؤ ضيم حظّه * فرارا يقيه الموت والموت نائله « 3 » هممت ولم أفعل وكدت وليتني * تركت على عثمان تبكى حلائله

--> ( 1 ) سورة الرعد 13 . ( 2 ) رغبة الامل 4 : 90 . ( 3 ) الكامل 1 : 387 .